الأرض الموعدة في معتقدات السلالة الهادوية الرسية

الأرض الموعدة في معتقدات السلالة الهادوية الرسية

   كتب/ علي البكالي

 الحلقة ٥ من كتاب نقض الاستعباد السلالي ج٢


 تبدو هذه المفردة للقارئ كما لو كانت مجرد تحميل للفكرة على غير محلها، كون المشتهر بفكرة الأرض الموعودة هم اليهود من بني اسرائيل كما تنص كتبهم، وفكرة الأرض الموعودة لدى اليهود هي اسطورة قديمة أعادت انتاجها الصهيونية العالمية في القرن التاسع عشر والعشرين بغية التأسيس لوطن قومي لليهود في فلسطين.


 وتدًعي الأسطورة أن الله وعد بني إسرائيل بالعودة إلى أرض الرب أورشليم، ويعتقد اليهود أن الإله وعد إبراهيم وعاهده ومن بعده يعقوب، على أن تكون هذه الأرض لنسله إلى يوم الدين، فهي «أرض المعاد» التي سيعود إليها اليهـود تحـت قيادة الماشيَّح أي (المسيح المخلص)، وهي الأرض التي سـتشهد نهاية التاريخ كما تحكي المنشاة اليهودية، فأرض إسرائيل هي مركز الدنيا بزعمهم، لأنها توجد وسط العالم، تماماً كما يقف اليهود في وسط الأغيار.


كما يشكل تاريخهم المقدَّس حجر الزاوية في تاريخ العالم أيضا، تماماً تشكل أعمالهم حجر الزاوية لخلاص العالم، وهذا بالطبع حسب اعتقادهم وحدهم، حيث يحتجون بعدة نصوص في التوراة والمنشاة والتلمود التي هي من وضع أيدهم، ففي سفر التكوين 12: 14-15 :

14 وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ، بَعْدَ اعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، 15 لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.


وقد عمدت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لإقناع زعماء أوروبا بأن أرض الميعاد هي أرض فلسطين، وقام هرتزل تيودور زعيم الحركة الصهيونية العالمية بعقد المؤتمر الصهيوني الأول لإقناع العالم بأن فلسطين الأرض المقدسة هي الأنقى للروح اليهودية، وأن فلسطين أرض الرب وأرب الميعاد، فكان وعد بلفور المشئوم.


وتتفق الحركة اليهودية الصهيونية مع الحركة السلالة الهادوية الرسية في اليمن في فكرة الحق الإلهي، وأرض الميعاد، والأرض المقدسة للعلويين، وفكرة المخلص، اتفاقاً كلياً يجعل الباحث والقارئ يقف حائراً، وهو يقلب الأخبار والروايات والكتب الإمامية الهادوية، مستغرباً ومتسائلاً عن مصدر هذا التطابق الفكري والعقدي بين اليهود والسلالة الرسية!


ويدعي الهادويون أن الحكم والسلطة حق إلهي مقدس، موقوف عليهم من عند الله فرضاً واجباً، فهم سلالة الله المختارة، فإذا كان اليهود شعب الله المختار من فرع اسحاق، فإن الهادويين العلويين والحوثيين -كما يزعمون - سلالة الله وعرقه المختار من فرع إسماعيل، وما داموا كذلك فإن لهم من الدعوى والاعتقاد ما يدعيه ويعتقده اليهود من بني اسرائيل تماماً، ولكن باسم الإسلام وآل البيت!


ويعتقد السلاليون الهادويون والحوثيون أن سيطرة بني أمية على السلطة قد أحالهم إلى طبيعة الشتات كاليهود تماماً، حيث لم يستطيعوا أن يبنوا لأنفسهم ملكاً خاصاً بهم على الواقع، ولهذا لجأوا إلى بناء ملكهم الافتراضي، المتمثل في عقيدة الإمامة وموالاة الإمام القائم وحده، وإن لم يكن هو الحاكم أو الخليفة، أي أنهم لجأوا لتنظيم أنفسهم بشكل مستقل داخل الدولة ومجتمعات الشتات، بحيث يعزلوا أنفسهم عن الجو العام، الجو العام للخلافة الأموية والعباسية سابقاً، وحالياً الجو العام للأنظمة الحديثة.


 ويقيمون علاقات منفصلة عن المسلمين تميزهم وحدهم كسلالة مختارة ومصطفاة، وعرق نقي لا يختلط بالأعراق الأخرى، وهذا السلوك الذي انتهجوه هو في الأصل سلوك مقتبس من بني اسرائيل، وكأنهم يأخذون النموذج منهم، ولأنهم أقاموا هذا التنظيم الشيعي الخاص باكراً، منذ نهاية العهد الأموي وما بعده، فقد بدأت سلسلة الثورات ضد الأمويين، ثم ضد العباسيين، ومع تلك المحاولات الثورية السلالية لانتزاع السلطة وحصرها في البطنين والسلالة المقدسة، سلالة الله المختارة –زوراً وكذباً-بدأ البحث عن الوطن البديل، للسلالة المقدسة.


 لقد كان اقليم خوراسان خيارهم الأول، وهو اقليم ينفصل عن الدولة العباسية وتحكمه السلالة وأشياعها، ثم تبعه بعد ذلك نشأة مليشيات سلالية فارسية في طبرستان، أقامت سلطة منفصلة عن العباسيين أسمتها الدولة الزيدية في طبرستان، نسبة إلى زيد أخو محمد الباقر، وعم جعفر الصادق مؤسس المذهب الجعفري الشيعي، وهي نسبة تزوير وتدليس، لأن زيداً لم يكن له مذهب ولا مليشيا، ولم يطالب بدولة مستقلة للسلالة الهاشمية، ولم يطلب الحكم لنفسه، ولم يقل ببطلان حكم الأمويين لأنهم ليسوا هواشم علويين، ولم يثبت عنه ادعاء الحق الإلهي والبطنيين، كما لم يثبت عنه سب الصحابة وتكفيرهم، وانكار خلافة أبا بكر وعمر، كما هو حال الجعفريين والشيعة الإماميين والهادويين والحوثيين اليوم.


 وبعد رحلة السلالة الرسية إلى طبرستان لبناء دولة لسلالة الله المختارة -كما يدعون- عادت تلك السلالة إلى المدينة لمحاولة استقطاعها من الدولة العباسية، لتكون بمثابة وطن قومي لبني هاشم دون غيرهم، وقاموا بعدة محاولات عسكرية بائت بالفشل الذريع بسبب ارسال العباسيين جيشاُ لسحقهم في المدينة وجبل الرس، فكان أن يممت السلالة الكهنوتية وجهتها تجاه اليمن، بقيادة المجرم السفاح يحي بن الحسين الرسي، وبجيوش من الشيعة الفارسيين الطبريين، لتصبح اليمن مستعمرة هاشمية رسية بديلة لأرض الميعاد التي كانوا يحلمون باستقطاعها في المدينة المنورة وما حولها.


ومن هنا صارت اليمن في مخيلة هؤلاء السلاليين أرض الهجرة البديلة، وبدأوا يتقاطرون إلى مناطقها تباعاً، فمنهم من أتى مقاتلاً غازياً بجيوش من الطبريين الفرس لاحتلال اليمن، كما فعل يحي بن الحسين الرسي الطباطبائي، ومنهم من وفد اليمن تحت ستار المذهبية والدعوة للمذهبية، ونشر الخرافات المؤلهة لهم في كل مناطق اليمن.

ومنهم من قدم إلى اليمن يدعي الكرامات والمعجزات، ويقيم السلالة وسطاء بين اليمنيين وخالقهم جل وعلا، وقام بنشر قباب الأولياء والدجالين، ونشر الاعتقاد بكرامتهم ونفعهم عند الله، ليكي يتقرب الناس إليهم بالمال والعطايا في حياتهم وبعد مماتهم.


وحقيقة الأمر أن هذه السلالة المدعية للقداسة أرادت أن تبحث لها عن وطن بديل لتقيم فيه سلطانها المقدس، وتخرج عن حالة الشتات، فكانت اليمن أحد أهم خيارات هذه السلالة، كما كانت فلسطين أحد خيارات الصهيونية العالمية.

 وقد ساعدهم على ذلك هجرة اليمنيين بداية الدولة العباسية نحو الفتوحات خارج نطاق بلاد العرب، حيث لم يتبقى في اليمن إلا عوام الشعب، أما القادة من المقاتلين وكبار الأقيال والفرسان والمثقفين فقد خرجوا جميعا والتحقوا بجيش الفتوحات، وهذا الوضع اغتنمته السلالة الهاشمية التي لم يكن يهمها الفتوحات والغزوات خارج بلاد المسلمين مطلقاً، بقدر ما كان يهمها انتزاع السلطة وحصرها في البطنيين من بني هاشم، أي أن معاركها كانت موجهة باتجاه الداخل فقط، ولذلك تسببت في تفكيك دولة الخلافة العباسية.


استغلت هذه السلالة الهاشمية وضع الفراغ في اليمن، فتقافزت إليه، ليكون الوطن البديل بعيداً عن مرمى الخلافة العباسية، واحشدت بكل السبل لاقتحام أرض اليمن، فمن استطاع منهم أن يحشد جيشاً مقاتلاً كان في صف يحي بن الحسين الرسي وسلالته الإمامية الكهنوتية المستبدة، ليحتل مناطق شمال اليمن.


 ومن لم يستطع منهم أن يغزو اليمن مقاتلاً بجيش تحول إلى الوجه الثقافي، وغزا اليمن من باب الفكر المذهبي والتفكيك الطائفي، ومن لم يستطع بهذا ولا ذاك، غزا اليمن بطريقة النفع والأولياء والكرامات والشعوذة والتمائم والسحر والدجل والقباب، ليكون وسيطاً بين اليمنيين وربهم جل وعلا.


هذه الصورة بألوانها شكلت الغزو السلالي الرسي لليمن، وظلت تتكامل في أداء أدوارها التمثيلية طوال تاريخ اليمن الوسيط، فالسلالة الرسية المسلحة في الشمال تغزو المناطق وتقيم الحروب والمعارك لبسط سيطرتها بالقوة والإكراه، فيما يكون دور الأولياء والقباب دعوة اليمنيين إلى محبة وتقديس آل البيت، وعدم مقاومة غزواتهم وحروبهم، والتسليم لهم حتى وإن جاروا وظلموا، وفئة ثالثة كانت مهمتها إقامة الموالد والحضرات وتربية الناس على الاستكانة والاستسلام للسلالة الوافدة وخرافاتها، فإذا ما وصلت جيوش الإمامة مناطق الوسط، استعملت هاشميين الوسط عمالاً لها، فيفرح اليمنيون البسطاء بذلك أن العامل عليهم من آل البيت الشافعي وليس من آل البيت الهادوي الزيدي، وهكذا.


 وقد أثر هذا الغزو العسكري والثقافي والروحي بالفعل في حياة المجتمع اليمني، استعباداً، وجهلاً، وتخلفاً، حتى غيبت اليمن بشكل كلي عن مضمار الحضارة الإنسانة، وظلت في غياهب الجب 1200 اختزل عالمها الثقافي في الإمامة والسلالة المقدسة والشعوذة والدروشة وقباب السلالة الكهنوتية.


ويجد الباحث المدقق في تفاصيل عقائد السلاليين الهادويين في اليمن، وكما هي لدى الجعفرية والشيعة، يجد أن كل العلويين والشيعة يعتقدون أن لهم وطنين، وطن شتات أو هجرة، وهي الأوطان التي يقيمون بها الآن، ووطن أصلي هو مكة والمدينة، وجميعهم يحلمون بفتح واحتلال مكة والمدنية، وأديباتهم تنص صراحة على أنهم سيحتلون مكة والمدينة، ويظهر مهديهم بعد ذلك.


وهم يعتقدون أن عليهم أن يقوموا بانتزاع السلطان بالقوة والإكراه والجهاد والانقلابات والثورات من كل الشعوب والبلدان العربية والإسلامية، تمهيداً لظهور جدهم وإمامهم المختفي في السرداب، وهو من يسمونه محمد بن الحسن العسكري، وبعضهم يقول أنه محمد بن الحسن العسكري.


 ويعتقدون أنه مختفي في السرداب بقم، وأنه سيخرج آخر الزمان ليعيد لهم الملك والسلطان، وبعضهم يقول لا بل هو شخص آخر سيخرج من ناحية اليمن، وللسلالة الهادوية في هذه المسألة تدبيجات كثيرة، فإذا ما خرج جدهم هذا فإن مهمتهم هي أن ينتزع مكة والمدينة ويعلن وحدة المسلمين في خلافة واحدة بقيادة السلالة العلوية المقدسة.


أما الهادويين العنصريين الغزاة في أرض اليمن، فإن عقائدهم تقول إنهم من سيمهد لجدهم المهدي الطريق من اليمن إلى مكة، لهذا رأينا الحوثي حسين وأخوه عبد الملك يتلقبون باليماني الذي هو في أسطورتهم السلالية الممهد للمهدي.


النسخة السلالية في اليمن تعتقد أنها بوابة العودة إلى مكة والمدينة، وأنها من هيأها الله للقيام بمهمة احتلال البيت الحرام والمسجد النبوي، لكي يظهر المهدي في الحرم ويبايعونه على خلافة المسلمين، ومن ثم يصبح عبد الملك الحوثي، أو من بعده من سلالة الدجل والكهنوت نائباً للمهدي، ومساعداً له، ولكن الطريق إلى البيت الحرام والمسجد النبوي تبدأ طبعاً بقتل اليمنيين والسيطرة على بلادهم. لقد خرجت السلالة الكهنوتية مدعية القداسة من مكة إلى قم في أرض فارس في القرن الهجري الثاني، وفي قم وطبرستان تلاحقت نزعة العنصرية السلالية بنزعة القومية الفارسية، وحدث التحالف بينهما بل والتزاوج، فعادت العنصرية السلالية من طبرستان وقم والديلم تزفها جيوش من مليشيا الشيعة الفارسيين العجم إلى المدينة المنورة في مطلع الدولة العباسية تريد اقتطاع بلاد الحرمين دولة لها.


 غير أن حملات العباسيين العسكرية لحماية الحرمين من سيطرة هذه السلالة العنصرية المشفوعة بالمليشيا الفارسية قد حال دون أطماعها، فكان أن خرجت هذه السلالة العنصرية إلى اليمن بقيادة الغازي المحتل، يحي بن الحسين الرسي مؤسس العنصرية والارهاب الطائفي في اليمن، وقد ظلت عقيدة هذه السلالة تحمل فكرة الوطن الأم والوطن البديل، وحتى اليوم لا تزال تتوارث هذه الفكرة، فإذا ما طرحت سؤالاً مباشراً على أي شخص من هذه السلالة، هل أنت يمني؟ فسوف يجيبك على الفور لا أنا هاشمي!


 ومع ذلك يرفض أن يعترف بأن اليمن لأبنائها من اليمنيين مطلقاً، بل يصرً وبشدة على أن حكم اليمن وسلطانها وخيراتها وثرواتها ملك للسلالة الرسية الوافدة، وأفضل معتدل في السلالة الكهنوتية الهادوية، والحوثية الايرانية، يقول ملطفاً للجو: نحن أهل الولاية والإمامة، وأنتم أنصار آل البيت. يعني أنه ليس لليمني الحق أن يحكم وطنه أو يبني دولته المستقلة، بل يجب عليه أن يسلم بلاده ودولته للسلالة ويكتفي بموالاتهم ومحبتهم.


ويعتقد السلاليون الهادويون في اليمن أن أرض اليمن هي الجغرافيا البديلة لهم حتى تتهيأ الظروف ويستعيدون مكة والمدينة ويوسعون دولتهم السلالية، وأديباتهم الأخيرة تصرح بهذا وتجليه، وخاصة فيما يتصل بعقيدة الظهور المستقاة من علي الكوراني، حيث يعتقدون أن الحوثي في اليمن هو الطريق إلى المهدي الذي سيظهر في مكة ويبايعه الناس لتتصل بعد ذلك دولة السلالة الهاشمية من اليمن إلى الحجاز، ثم تنطلق إلى الشام وتقوم الامبراطورية الهاشمية.


 وقد عثر على وثيقة مبايعة مع أحد عنصر حوثي ألقي القبض عليه واسمه فارس مسفر سالم، من أهالي ساقين بصعدة، وتحتوي تلك الوثيقة على نص المبايعة لحسين بدرالدين الحوثي باعتباره امام زمانه وحجة الله على الناس وانه المهدي المنتظر، وفي نصّ الوثيقة: «أُشهد الله على أن سيدي حسين بدرالدين هو حجة الله في أرضه في هذا الزمان، وأُشهد الله على أن أبايعه على السمع والطاعة والتسليم، وأنا مقر بولايته وإني سلم لمن سالمه، وحرب لمن حاربه، وهو المهدي المنتظر القائم الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، أبان لنا طريق النجاة، وأوضح كتاب الله على أوضح بيان، فنسأل الله أن يحشرنا في زمرته»!


  وهذه العقيدة كما هو واضح تتخذ من اليمن منطلقاً لإمامة آل البيت العلوي على المسلمين، وهي تنتهج الحرب ضد اليمنيين لتقيم اليمن ساحة حرب لإيران ضد الخليج لتمهد لدولة المهدي – حسب معتقدات الغيبة-وهو ما أدخل اليمن في بحار من الدماء والفوضى التي لم تتوقف حتى اللحظة.